الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
278
مختصر الامثل
تقول الآية - بعد شرح حياة المسيح عليه السلام - إنّ ما قصصناه عليك من قصة عيسى حقيقة أنزلها اللَّه عليك وعليه ، فإنّ المزاعم الباطلة القائلة بألوهية المسيح ، أو اعتباره ابن اللَّه ، أو بعكس ذلك اعتباره لقيطاً ، كلها خرافات باطلة « إِنَّ هذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ » . ثم تضيف للتوكيد : إنّ الذي يليق للعبادة هو اللَّه « وَمَا مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ » وحده ، وأنّ اتخاذ معبود آخر دونه عمل بعيد عن الحق والحقيقة « وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » فهو قادر على أن يخلق ولداً بدون أب ، وذلك على اللَّه يسير . الآية الثانية تهدد من لم يستسلم من هؤلاء للحق بعد الاستدلالات المنطقية في القرآن بشأن المسيح عليه السلام وكذلك إذا لم يخضعوا للمباهلة واستمرّوا في عنادهم وتعصبهم ، لأنّ ذلك دليل على أنّهم ليسوا طلاب حق ، بل هم مقيدون بأغلال تعصبهم المجحف ، وأهوائهم الجامحة ، وتقاليدهم المتحجرة ، وبذلك يكونون من المفسدين في المجتمع : « فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ » . قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ( 64 ) الدعوة إلى الاتحاد : في الآيات السابقة كانت الدعوة إلى الإسلام ( بكل تفاصيله ) ولكن الدعوة هذه المرّة تتّجه إلى النقاط المشتركة بين الإسلام وأهل الكتاب ، وبهذا يعلّمنا القرآن درساً ، مفاده : أنّكم إذا لم توفّقوا في حمل الآخرين على التعاون معكم في جميع أهدافكم ، فلا ينبغي أن يقعد بكم اليأس عن العمل ، بل إسعوا لإقناعهم بالتعاون معكم في تحقيق الأهداف المشتركة بينكم ، كقاعدة للانطلاق إلى تحقيق سائر أهدافكم المقدسة « قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيًا » . « فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ » . لو أنّهم - بعد دعوتهم دعوة منطقية إلى نقطة التوحيد المشتركة - أصرّوا على الإعراض ، فلابد أن يقال لهم : اشهدوا أنّنا قد أسلمنا للحق ، ولم تسلموا ، وبعبارة أخرى : فاعلموا أنّ من يطلب الحق ، ومن يتعصّب ويعاند . ثم قولوا لهم : « اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ » . فلا تأثير لعنادكم وعصيانكم وابتعادكم عن الحق في أنفسنا ، وإنّا ما زلنا على طريقنا - طريق الإسلام - سائرون ، لا نعبد إلّااللَّه ، ولا نلتزم إلّاشريعة الإسلام ، ولا وجود لعبادة البشر بيننا .